
مانشيت – متابعات
المصدر : برواند لاند
صباح مكي
السيطرة التي تربط باب المندب بخليج عدن، وتخدم في الوقت نفسه مصالح أبوظبي الاقتصادية والأمنية.
أما في بوصاصو، فقد تحوّل الوجود الإماراتي إلى ذراعٍ أمنيةٍ موازية عبر قوة الشرطة البحرية في بونتلاند، وهي وحدة تمويلها وتسليحها وتدريبها إماراتي بالكامل، وتخضع لتوجيهاتٍ مباشرةٍ من ضباطٍ إماراتيين. ورغم أن شعارها المعلن هو “مكافحة القرصنة”، فإنها عمليًا تحرس المصالح التجارية واللوجستية للنظام، وتؤمّن الممرات البحرية التي تربط الموانئ الصومالية بالساحل اليمني وسقطرى، لتصبح جزءًا من المنظومة الأمنية نفسها التي تديرها أبوظبي عبر البحر العربي. كما شملت أنشطة هذا الوجود عملياتٍ سرّية وقنواتٍ مموّهة لتمرير الأسلحة والمرتزقة إلى جهاتٍ مسلّحة، من بينها شبكات إمدادٍ تُستخدم لنقل العتاد والمقاتلين إلى مسارح أخرى مثل السودان، ما يربط بين النفوذ الميداني والخطوط اللوجستية السرّية.
الوثائق الحكومية الصومالية أظهرت مرارًا تذمّرًا من تجاوز هذه القوات للسلطة المركزية ومن إبرام اتفاقاتٍ أمنيةٍ دون علم مقديشو. ومع مرور الوقت، أصبحت الإمارات طرفًا سياسيًا مؤثرًا في الساحة الصومالية، تموّل الانتخابات الإقليمية وتدعم نخبًا مواليةً لها في مواجهة الحكومة الفدرالية، ما حوّلها من “مستثمرٍ” إلى فاعلٍ سياسيٍ مباشر في توازنات السلطة الداخلية.
بهذا الشكل، تحوّل النفوذ الإماراتي في بونتلاند وصوماليلاند إلى نموذجٍ مصغّرٍ للهيمنة بالوكالة داخل الصومال:
• تُدار موانئهما عبر شركاتٍ إماراتيةٍ بشروطٍ طويلة الأمد.
• تُموَّل أجهزتهما الأمنية المحلية خارج سلطة الدولة.
• وتُستخدم أراضيهما كنقطة وصلٍ في شبكة الرادارات التي تمتد من سقطرى إلى بربرة فباب المندب.
النتيجة أن الحكومة المركزية فقدت السيطرة على أهم منافذها البحرية، بينما كسب نظام أبوظبي أداةً جديدةً لمراقبة البحر العربي وخطوط التجارة إلى المحيط الهندي. وبذلك أصبحت الأقاليم الصومالية شبه المستقلة حلقةً حيويةً في المشروع الإماراتي للهيمنة البحرية، ونموذجًا آخر يؤكد أن ما يُسمّى “الاستثمار في الموانئ” ليس سوى غطاءٍ لتوسّعٍ أمنيٍ مموّهٍ يُعيد رسم السيادة على شواطئ المنطقة.
عند هذه النقطة تصبح الحاجة إلى شرح منظومة التمكين ضرورية: من الذي يربط هذه العقد كلها ويمدّها بالتقنية والغطاء السياسي؟
الموانئ
ما تقدّم ليس مجرد عرض لحالات منفصلة في ليبيا واليمن والصومال، بل هو خارطة واحدة لمشروع متكامل للهيمنة بالوكالة. يتحرّك نظام أبوظبي على رقعة واسعة من العالم العربي والإفريقي بالأدوات ذاتها: المال والوكلاء والعقود والمساعدات المسمومة.
في كل مرة يتبدّل المسمّى، سواء كان استثمارًا أو تحالفًا أو تنمية أو مكافحة إرهاب، يبقى الجوهر واحدًا: نزع السيادة وتحويل الدول إلى ساحات نفوذ اقتصادية وأمنية تابعة.
لقد أظهرت التجارب أن هذا المشروع لا يكتفي بتقويض الدولة من داخلها، بل ينسج شبكة من الولاءات تمتد من الموانئ إلى الجيوش، ومن الشركات إلى الإعلام، لتصبح السيطرة ناعمة وشاملة ومستمرة.
الجغرافيا الجديدة للهيمنة
نحن أمام استعمار جديد لا يرفع العلم بنفسه ولا يطلق النار بنفسه، بل يوظّف المرتزقة والميليشيات ليصنع الحروب ويُنفِّذها بالنيابة عنه، ويعيد رسم الجغرافيا بالمال والمعلومات والاختراق الاقتصادي.
ما رأيناه في ليبيا واليمن والصومال ليس سوى الواجهة الأولى لهذا الامتداد الاستعماري، فخلفها تكمن البنية الأمنية والاستخباراتية التي تربط هذه الساحات في منظومة واحدة تمتد على طول البحر الأحمر.
حين يكتمل الطوق: البحر الأحمر كحدود جديدة للاستعمار الصامت
هناك، في الممر المائي الأهم في العالم، تتجلّى المرحلة الأخطر من المشروع: تحويل البحر نفسه إلى حدود جديدة للهيمنة الدولية، وجعل السودان الحلقة الشمالية في سلسلة السيطرة.
في الجزء التالي سننتقل من تتبّع النماذج الميدانية إلى تفكيك هذه الجغرافيا الاستعمارية الجديدة، من التحالف الأمني الثلاثي إلى البحر الأحمر، ومن الموانئ إلى الخرطوم، حيث تكتمل الصورة وتنكشف معالم مشروع لم يعد عربيًا في جوهره، بل شبكة نفوذ عابرة للسيادة والحدود.
عن الكاتبة
صباح المكّي كاتبة سودانية وتشغل منصب نائب رئيس التحرير وتتناول أعمالها قضايا الجيوسياسة والعنف السياسي والقانون الدولي والمقاومة الثقافية والوعي الاجتماعي، من منظور يرتكز على الحقائق المتغيرة في السودان.
تسعى صباح إلى كسر الروايات السائدة عبر إعادة تموضع صوت المواطن السوداني ـ داخل الوطن وفي المهجر ـ ذلك الصوت الذي يُستبعد غالباً من الخطاب العالمي. وتطرح كتاباتها أسئلة جريئة حول معنى الحرب والسلام والعدالة، مؤكّدة أن التغيير الحقيقي يبدأ من هدم البُنى الاستعمارية المتجذّرة.
تنظر صباح إلى الصحافة كفعل مقاومة ثقافية وفكرية وفلسفية، تواجه من خلاله البُنى التي تغذّي الصراع وتصادر الأصوات. تكتب من قلب العاصفة.






